جديد النظريات التربوية بالمغرب: نظرية الملكات


Delivered by FeedBurner

منتديات المدرسة

↑ Grab this Headline Animator


العودة   منتديات المدرسة > الاتصال والتواصل > جديد مقالات الصحف والجرائد التربوية


جديد النظريات التربوية بالمغرب: نظرية الملكات

جديد مقالات الصحف والجرائد التربوية


 
قديم 01-03-2013, 04:27 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمد الزناني
مدير عام
 
الصورة الرمزية محمد الزناني
إحصائية العضو






  التقييم محمد الزناني is on a distinguished road

محمد الزناني غير متواجد حالياً

 


المنتدى : جديد مقالات الصحف والجرائد التربوية
افتراضي جديد النظريات التربوية بالمغرب: نظرية الملكات


جديد النظريات التربوية بالمغرب: نظرية الملكات
د.جميل حمداوي
توطئــــة:
عرف المغرب مجموعة من النظريات التربوية والطرائق البيداغوجية، مثل: طرائق التعليم العتيق، والتعليم الطائفي النخبوي إبان الاستعمارالفرنسي، ونظرية البديل الوطني القائمة على المبادىء الأربعة: التعريب، والتوحيد، والتعميم، والمغربة. علاوة على نظريات أخرى تبلورت بعد استقلال المغرب مباشرة، كالمذهب التعليمي الجديد أو مذهب بنهيمة،ونظرية الوحدة والفروع، وطريقة يوهان فريدريش هربارت، والنظريات اللسانية، ونظرية الأهداف، ونظرية الكفايات، ونظرية الجودة، ونظرية الشراكة، ونظرية المجزوءات، ونظرية مدرسة المستقبل، ونظرية الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية. وأخيرا، تظهر نظرية الملكات التي تعد أول نظرية تربوية عربية أصيلة في عصرنا هذا، و تقترن هذه النظرية المتميزة بالدكتور محمد الدريج الذي أثرى الساحة التربوية المغربية والعربية بمجموعة من المؤلفات القيمة في مجالي البيداغوجيا والديداكتيك.إذاً، ماهو مفهوم الملكات في اللغة والاصطلاح؟ وماهو التصور النظري الذي يتبناه محمد الدريج فيما يتعلق بالملكات؟ وكيف يمكن تمثلها تطبيقيا في المجال التربوي والتعليمي؟ هذه هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.
Dمفهــوم الملكــات لغة واصطلاحا:
يعرف ابن منظور الملكة في معجمه (لسان العرب) قائلا:” طال ملكه وملكه وملكه وملكته (عن اللحياني). أي: رقه. ويقال: إنه حسن الملكة والملك (عنه أيضا) . وأقر بالملكة والملوكة. أي: الملك. وفي الحديث: “لايدخل الجنة سيء الملكة، متحرك. أي: الذي يسيء صحبة المماليك. ويقال: فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه. وفي الحديث: حسن الملكة نماء، هو من ذلك.”
تتخذ كلمة الملكة في هذه الشروح اللغوية بعدا أخلاقيا ، وتعني التعامل الجيد والحذق والكيس. وفي الوقت نفسه، تعني الكلمة الصنعة. بيد أن الملكةفي المعجم الوسيط تعنيصفةٌ راسخةٌ في النفس، أو هي استعدادٌ عقليُّ خاصٌّ لتناول أَعمالٍ معيَّنة بحذقٍ ومهارة، مثل: الملَكة العَدَدِية، والملكة اللغوية، والملكة الموسيقية، وملكة الخطابة، والملكة الشعرية،وقد تدل الملكة على الملك والامتلاك.أي: ما أستطيعه وأملكه، أو قد تعني حسن المعاملة مع الخدم والأصحاب. ويقال: يتمتع بملكة فنية عالية. وجمع ملكة ملكات، وهو جمع المؤنث السالم. ومن هنا، فالمكلة لغة هو نوع من الاستعداد النفسي والفطري والعقلي لتناول أعمال معينة بحصافة، وحنكة، ونضج، وإبداع، وذكاء، ودقة، ومهارة، وإتقان، وجودة، وإدراك، وصنعةومن ثم، فالإنسان يمتلك مجموعة من الملكات العقلية الفطرية الوراثية والملكات المكتسبة عن طريق التعلم والدربة والممارسة والتعلم والتجريب. ويعني هذا أن ثمة ملكات وراثية فطرية عقلية ، وملكات تجريبية وحسية مكتسبة. ويعني هذا أن الإنسان تتحكم فيه الوراثة والبيئة معا.أي: إنه كائن فطري ومكتسب على حد سواء.
وتأسيسا على ماسبق، فثمة مجموعة من الملكات التي يمتلكها الإنسان، كالملكة اللغوية، والملكة الموسيقية، والملكة المنطقية، والملكة الغنائية، والملكة الطبيعية، والملكة الفنية، والملكة الشعرية، وملكة الحفظ، وملكة الخطابة، وهلم جراوتدل الملكة في المعاجم الحديثة على القدرة ، والطبع، والسليقة، والصفة الراسخة في النفس.
ويمكن ترجمةكلمة الملكة بـ (Maturité)، ويقصد بها النضج، والحصافة، والحنكة، والإبداع، واليناعة، والإدراك،وبلوغ الرشدبيد أن هناك من يترجمها بـ (Compétence) ، بمعنى الكفاءة المضمرة التي يمكن من خلالها توليد جمل لامتناهية العدد حسب اللساني الأمريكي نوام شومسكي(N.Chomsky).
ومن حيث الاصطلاح، فالملكة هي التي نحصل عليها بالمران والدربة والتعلم والصقل والمعاناة والتكرار، حتى تصبح صفة راسخة في النفس في المتكلم. ومن جهة أخرى، قد تدل على المهارة والصناعة والجودة والكفاءة. ومن المعلوم أن الملكات هي تلك القدرات التي يكتسبها الإنسان وراثيا أو تجريبيا، وينتج من خلالها تحصيل مجموعة من المعارف والمهارات والمواقف والميول بمهارة وحذق ودراية. زد على ذلك، أن العقل مجرد ملكة من الملكات التي يستخدمها الإنسان على مستوى التفكير إلى جانب الخيال، والذاكرة، والمنطق، والتجريد، والتخييل
D مفهوم الملكات في التراث العربي القديم:
تحدث علماؤنا القدامى بشكل من الأشكال عن الملكات تلميحا أو تفصيلا، وخاصة في مجال اللغة والنحو والبلاغة واللسان، وربطوها بالسليقة والطبع والفطرة والصناعة والمهارة والكفاءة والذوق. ويعرفها الشريف الجرجاني على النحو التالي :” الملكة هي صفة راسخة في النفس. فالنفس تحصل لها هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالة ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال، فتصير ملكة. وبالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا” .
ويعني هذا أن الملكة حالة مستمرة وبطيئة راسخة في نفس الإنسان، وتنبني على أفعال مكررة إلى أن تتحول الملكة إلى عادة وخلق وصناعة.
ويربط إخوان الصفا الملكة بالعادة والمهارة:”…واعلم أن العادات الجارية بالمداومة عليها تقوي الأخلاق الشاكلة لها ،كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها والدرس لها ، والمذاكرة فيها يقوي الحذق بها والرسوخ فيها ، وهكذا المداومة على استعمال الصنائع والتدرب فيها يقوي الحذق بها والأستاذية فيها… ”
وتعني الملكات لدى إخوان الصفا الحذق والمهارة والرسوخ في الشيء، والمداومة والدربة والمران والتكرار. ويعني هذا أن الملكات مقترنة بالجودة والإتقان والمهارة والإدراك الجيد للأشياء والصنائع. وينضاف إلى ذلك، أن من أهم خطوات التعلم نذكر: الحفظ، والمحاكاة ، والتكرار، والتجريب، والدربة، والإكثار من التمارين. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون:”اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها ، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات ، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع ، وهذا هو معنى البلاغة، والملكات لاتحصل إلا بتكرار الأفعال؛ لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير اسخة ثم يزيد التكرار فتكون ملكة .أي: صفة راسخة ، فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولا، ثم يسمع التراكيب بعدها، فيلقنها كذلك، ثم لايزالسماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم. هكذا، تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل، وتعلمها العجم والأطفال، وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة العربية بالطبع. أي: بالملكة الأولى التي أخذت عنهم، ولم يأخذوها عن غيرهم ، ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم، وسبب فسادها أن الناشىء من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب أيضا، فاختلط عليه الأمر ، وأخذ من هذه، فاستحدث ملكة، وكانت ناقصة عن الأولى ، وهذا معنى فساد اللسان العربي.”
وتعني الملكة عند ابن خلدون السليقة ، والسجية الفطرية ، والحدس اللغوي، وإنتاج اللغة الأم. كما تدل الملكة على كونها صفة راسخة في النفس. وبالتالي، ترتبط الملكة عند ابن خلدون بالملكة البلاغية واللغوية ليس إلا. وتشبه هذه الملكة ما تحدث عنه نوام شومسكي في إطار التمييز بين الكفاءة والإنجاز، وما تحدث عنه فرديناند دوسوسير حينما تحدث عن اللغة والكلام واللسان. ويتردد مصطلح الملكة عند ابن خلدون كثيرا، فهي مدخل لكل دراسة لسانية وغير لسانية، و هي الصفة الراسخة في وجدان الكاتب أو اللغوي أو النحوي للتمييز بين الخطإ والصواب، ومعرفة الخير من الشر، والتفريق بين الحسن والقبيح، وهي بمثابة معيارللتمييز بين الصحيح اللغوي من اللاحن والمحال الرديء، والتفريق بين الغث والسمين. ويتم تحصيل الملكة بالطبع والسليقة والجبلة الفطرية، أو يتم تحصيلها بالاكتساب التدريجي إلى أن تصبح ملكة طبيعية في نفس الإنسان، مصقولة بالدربة والحصافة والمهارة . وقد تعني الملكة في البيان امتلاك الذوق بإدراك أسرار البلاغة البيانية نظما وبلاغة وطبعا:” اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان، وقد مر تفسير البلاغة أنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك، فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده.”
ويعني هذا أن الذوق ملكة وجدانية بها ندرك أسرار الجمال في التراكيب البلاغية، ونتوصل إلى مواطن تميزها فنيا وجماليا.وهذه الملكة وجدانية تكتسب عن طريق التكرار، والدربة، والمران، وتذوق النصوص الأدبية.
ويذكر ابن خلدون في كتابه (المقدمة) مجموعة من الملكات الرئيسة، مثل: ملكة الحفظ، وملكة الفهم، وملكة الذوق. وتصقل هذه الملكات باللغة والبيان والبلاغة والنحو وعلوم الآداب حفظا وفهما. ومن هنا، لابد أن تترسخ الملكات في نفوس المتعلمين بالمران والدربة والمجاهدة، حتى تترسخ في نفوسهم ، وتصبح مطبوعة وفطرية وسليقية.
D سيـــاق نظريـــة الملكات:
ثمة مجموعة من العوامل التي دفعت محمد الدريج لتبني نظرية الملكات، ومن بينها فشل تطبيق النظريات التربوية الغربية بالمدرسة المغربية لأسباب ذاتية وموضوعية، لاسيما أن هذه النظريات الغربية التي يتم تمثلها بالمغرب تتسم بالارتجالية، والتسرع، والتجريب، والترقيع، واستنبات مشاكل الغير في تربة لاتلائم تربة الآخر. وينضاف إلى ذلك تأثره بنظرية الذكاءات المتعددة لدى هوار غاردنر (Howard Gardner) التي تتشابه مع نظرية الملكات بشكل من الأشكال. فهناك الملكة اللغوية، والملكة الرياضية، والملكة المنطقية، والملكة الموسيقية، والملكة الفلسفية، والملكة الذاتية، والملكة الاجتماعية، والملكة الإعلامية….وهلم جرا. كما تأثر محمد الدريج بنظرية الأهداف أو ما يسمى بالتدريس الهادف من جهة، وتأثره بدرس الكفايات والإدماج من جهة أخرى. ولا ننسى تأثير الميثاق الوطني للتربية والتكوين على الباحث بحال من الأحوال، وانسياقة وراء التعليم المندمج، علاوة على ذلك تأثر الباحث بمجموعة من التصورات التربوية لدى علمائنا المسلمين، مثل: الإمام الغزالي، وابن خلدون، وابن سحنون، والقابسي، والسمعاني، وابن طفيل
هذا، وقد تجاوز محمد الدريج جميع النظريات الغربية المستوردة ، مثل: نظرية الأهداف، ونظرية الكفايات:” إننا ننتقد في هذا النموذج ، الاكتفاء بالصياغات الإجرائية- السلوكية و الوضعياتية ، سواء للأهدافأم للكفايات أم للمعايير … كما هو سائد في بعض الأنظمة والنماذج التعليمية، التي تكتفي باستيراد هذه المقاربة أو تلك ، والتوقف عند المؤشرات السلوكية –الجزئية، والغرق في الكثير من الإجراءات والتقنيات، والتي كثيرا ما تؤدي،فضلا عن السقوط في الإتكالية والارتباط، إلى الآلية والنزعة نحو التفتيت ، والابتعاد عن الأهداف الحقيقية والغايات التربوية المنشودة.
كما أن التحديد الإجرائي-السلوكي والصارم للأهداف على سبيل المثال، كثيرا ما يمنع المدرسين من الاستفادة من الفرص التعليمية غير المتوقعة التي تحدث داخل الأقسام ، فيستبعدون مبادرات التلاميذ، بل ومبادرات المدرسين أنفسهم، والتيتفرضها المواقف التعليمية المستجدة، ولا تتناولها الأهداف أو الكفايات أو المعايير ، المحددة سلفا، و بعبارات سلوكية جامدة.”
ولكن أهم من تأثر به محمد الدريج هو عابد الجابري في تعامله المنهجي مع التراث تأصيلا وتأسيسا. ويرى محمد عابد الجابري في دراساته الفكرية والفلسفية المختلفة بأن التراث العربي الإسلامي يتمظهر بشكل جلي في العقيدة، والشريعة، واللغة، والأدب، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوفويمتد من القرن الأول حتى قبل عصر الانحطاط، بدون تحديد دقيق لبدايته، نظرا لاختلاف العلماء حول بداية تراجع المسلمين وانحطاطهم. ولكنما يهمنايقول الجابري-:” هو اتفاق الجميع على أن التراث هو من إنتاج فترة زمنية تقع في الماضي، وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما، تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا، ومازالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة، الحضارة الغربية الحديثة.ومن هنا، ينظر إلى التراث على أنه شيء يقع هناك. فعلا، مايميز التراث العربي الإسلامي في نظرنا هو أنه مجموعة عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى، بالإضافة إلى اللغة التي تحملها وتؤطرها، تجد إطارها المرجعي التاريخي والإبستمولوجي في عصر التدوين(القرن الثاني والثالث للهجرة) وامتداداته التي توقفت آخر تموجاتها مع قيام الإمبراطورية العثمانية في القرن العاشر للهجرة(السادس عشر للميلادي).أي: مع انطلاق النهضة الأوروبية الحديثة. وإذاً، فالتراث العربي الإسلامي- منظورا إليه من داخل منظومة مرجعية تتخذ الحضارة الراهنة، حضارة القرن العشرين، نقط إسناد لها-هو إنتاج فكري وقيم روحية دينية وأخلاقية وجماليةإلخ، تقع هناك فعلا. أي: خارج الحضارة الحديثة، ليس فقط بوصفها منجزات مادية وصناعية، بل أيضا بوصفها نظما معرفية ومنظومات فكرية وأخلاقية وجماليةإلخ. وبما أننا نعيش هذه الحضارة – على الأقل منفعلين إن لم نكن مستلبين- ونحلم بالانخراط الواعي الفاعل فيها، فإنه لابد من أن نشعر- وهذا ماهو حاصل فعلا- أننا نزداد بعدا عن تراثنا بازدياد ارتباطنا مع هذه الحضارة، وإن المسافة بين هناك وهنا تزداد اتساعا وعمقا.وهذا الشعور يغذي في فريق منا الحنين الرومانسي إليه، وفي الوقت نفسه، ينمي في فريق آخر منا الرغبة في القطيعة معه، والانفصال التام عنه.”
زد على ذلك، يرى محمد عابد الجابري أنه من المستحيل تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة، بدون أن ننطلق من تراثنا العربي الإسلامي، أو ننتظم داخل تراث غيرنا، بل علينا أن نقرأ تراثنا بأدوات جديدة، وبعقلية معاصرة، تنطلق من تصورات بنيوية داخلية، واستقراء لحيثيات الموروث مرجعيا وتاريخيا ، قصد استقراء أبعاده الأيديولوجية لمحاربة التخلف، ومواجهة طغيان الاستعماري،وتقويض النزعة المركزية الأوروبية فضحا وتعرية وتفكيكا. وكل هذا من أجل تشييد ثقافة عربية أصيلة مستقبلية، تكون أرضية ممهدة لانطلاقنا حيال المستقبل، فلابد –إذاً- من خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام، بشرط أن تكون قراءتنا موضوعية قائمة على الاستمرارية والتأويل المعقلن، وذلك في ضوء تصورات معاصرة متجددة. علاوة على ذلك، لا يمكن أن تتحقق النهضة الفكرية إلا بالتعامل مع التراث داخل الثقافة نفسها، بممارسة نقد الماضي والحاضر معا:” إنه بممارسة العقلانية النقدية في تراثنا وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة، وهما: الشرطان الضروريان لكل نهضة. ”
وعلى وجه العموم، يرى محمد عابد الجابري بأن تعامل المفكر العربي مع التراث يطرح مشكلين متلازمين، وهما: مشكل الموضوعية.أي: كيف يمكن فصل الذات عن الموضوع في التعامل مع تراثنا العربي الإسلامي، وكيف يمكن تحقيق العلمية الحقيقية في التعامل مع الظاهرة التراثية، دون أن تكون الذات حاضرة في التعامل معها تعاطفا وتآزرا ودفاعا. وثانيا، هناك مشكل الاستمرارية، بمعنى أن التراث مازال مستمرا وممتدا في ثقافتنا المعاصرة ، ومازال يحتاج إلى تجديد وقراءات مغايرة لفهمه وتفسيره، وتمثل إيجابياته ومواقفه الإيديولوجية الهادفة والبناءة. وفي هذا الإطار، يقول الجابري:” ولكن لماذا الاستمرارية؟
أولا: لأن الأمر يتعلق بتراث هو تراثنا نحن، فهو جزء منا أخرجناه عن ذواتنا لا لنلتقي به هناك بعيدا عنا، لا لنتفرج عليه تفرج الأنتروبولوجي في منشأته الحضارية والبنيوية ، ولا لنتأمله تأمل الفيلسوف لصروحه الفكرية المجردة، بل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة، من أجل أن نجعله معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، وأيضا على صعيد التوظيف الفكري والإيديولوجي.ولم لا إذا كان هذا التوظيف سيتم بروح نقدية ومن منظور عقلاني؟
ومن ثم، فقراءة عابد الجابري للتراث قراءة ثلاثية الأبعاد منهجيا، ويعني هذا أن قراءة الجابري لها صورة بنيوية تكوينية، تستند إلى ثلاث خطوات منهجية أساسية، وهي: الطرح البنيوي الداخلي، والطرح التاريخي، والطرح الإيديولوجي. والآتي، أن المعالجة البنيوية الداخلية تنطلق من النص كألفاظ أولا، ومعان ثانيا، وقضايا وإشكاليات ثالثا. بمعنى أن نتعامل مع النص كمعطى، ولا نهتم بالأحكام الخارجية المسبقة حول التراث، أو الانسياق شعوريا أولا شعوريا وراء الرغبات الحاضرة ، فلا بد من الانطلاق من النصوص فهما وتفسيرا وتأويلا. وفي هذا النطاق، يقول الجابري عن المعالجة البنيوية بأنها تعني:” ضرورة وضع جميع أنواع الفهم السابقة لقضايا التراث بين قوسين، والاقتصار على التعامل مع النصوص، كمدونة، ككل تتحكم فيه ثوابت، ويغتني بالتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد.هذا يقتضي محورة فكر صاحب النص(مؤلف، فرقة، تيار…) حول إشكالية واضحة قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يتحرك بها ومن خلالها فكر صاحب النص، بحيث تجد كل فكرة من أفكاره مكانها الطبيعي(أي المبرر أو القابل للتبرير) داخل الكل. إن القاعدة الذهبية في هذه الخطوة الأولى هي تجنب قراءة المعنى قبل قراءة الألفاظ (الألفاظ كعناصر في شبكة من العلاقات، وليس كمفردات مستقلة بمعناها). يجب التحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات الحاضرة. يجب وضع كل ذلك بين قوسين، والانصراف إلى مهمة واحدة هي استخلاص معنى النص من النص نفسه. أي: من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه.”
أما الخطوة الثانية من المنهجية في التعامل مع التراث، فتستند إلى قراءة فكر صاحب النص قراءة تاريخية، تتكئ على استقراء الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في فهم أطروحاته وتفسيرها .إن:”هذا الربط – يقول الجابري- ضروري من ناحيتين: ضروري لفهم تاريخية الفكر المدروس وجينيالوجياه، وضروري لاختبار صحة النموذج(البنيوي) الذي قدمته المعالجة السابقة .والمقصود بالصحة هنا ليس الصدق المنطقي، فذلك ما يجب الحرص عليه في المعالجة البنيوية ، بل المقصود الإمكان التاريخي: الإمكان الذي يجعلنا نتعرف على ما يمكن أن يقوله النص ، وما لا يمكن أن يقوله، وما كان يمكن أن يقوله ، ولكن سكت عنه.”
أما القراءة الثالثة من خطوات منهجية الجابري، فهي خطوة الطرح الإيديولوجي، بمعنى البحث عن الوظيفة أو الوظائف الأيديولوجية التي يؤديها الفكر المعني داخل سياقه الدلالي والتاريخي والمرجعي، أو داخل المنظومة المعرفية التي يشتغل فيها صاحب النص. فالكشف:” عن المضمون الإيديولوجي للنص التراثي هو الوسيلة الوحيدة لجعله معاصرا لنفسه، لإعادة التاريخية إليه. ”
ويلاحظ أن هذه الخطوات متتابعة ومتعاقبة: مرحلة التحليل البنيوي الداخلي، ومرحلة التحليل التاريخي الخارجي، ومرحلةالتأويل الإيديولوجي. ويعني هذا أن محمد عابد الجابري متأثر بطريقة من الطرائق بتصورات لوسيان كولدمان (Lucien Goldmann) صاحب البنيوية التكوينية ، والذي يعتمد في قراءته للآداب والظواهر السيوسيولوجية على مبدأين: الفهم والتفسير. بمعنى أن لوسيان كولدمان يقرأ النص قراءة داخلية كلية لاستخلاص البنية الدالة، ثم يقوم بتفسيرها في ضوء المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك من أجل الوصول إلى الرؤية للعالم التي يتضمنها النص المعطى، وهي رؤية إيديولوجية ليس إلا. كما يتأثر محمد عابد الجابري ببول ريكور(Paul Ricoeur) الذي يدعو إلى الجمع بين الطرح البنيوي الداخلي، و القراءة السياقية المرجعية التي تهتم بالذات والمقصدية والإحالة. ويعني هذا أن الجابري يجمع بين الذات والموضوع، وبين الداخل والخارج.
وتأسيسا على ما سبق، يقول محمد عابد الجابري بأن هناك:” ثلاث خطوات متداخلة، ولكننا نعتقد أنها يجب أن تتعقب بهذا الترتيب حين ممارسة البحث.أما عند صياغة النتائج، فإن بيداغوجية الكتابة، تقتضي في المرحلة الراهنة على الأقل، الأخذ بيد القارئ من باب التحليل التكويني والطرح الإيديولوجي، والانتهاء إلى الصرح البنيوي. تلك هي عناصر اللحظة الأولى من المنهج الذي نقترحه ونحاول تطبيقه: لحظة الموضوعية أو تحقيق الانفصال عن الموضوع.أما اللحظة الثانية لحظة الاتصال به، والتواصل معه، فتعالج، كما أشرنا من قبل، مشكل الاستمرارية.”
وعليه، فثمة عدة رؤى ومنظورات متفاوتة ومختلفة ومتباينة حول مفهوم التراث ،وثمة أيضا تصنيفات عديدة استعرضها المثقفون العرب أثناء تعاملهم مع التراث. وقد برز الكثير من الباحثين والدارسين الذين يهتمون بالتراث ، مثل: حسين مروة، والطيب التزيني، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري ، وعبد الكبير الخطيبي، وغالي شكري، وزكي نجيب محمود، وأدونيس، ويوسف الخال، وحسن حنفي، ومحمد عمارة
وهكذا، يرى عبد الله العروي صاحب التوجه التاريخانيمثلاأن ثمة نوعين من المثقفين : مثقف سلفي ينظر نظرة تقليدية إلى التراث، ومثقف انتقائي يختار من التراث ما يعجبه، ويخدم رؤيته. لكن هذين الاتجاهين يغفل الجانب التاريخاني للتطور الحضاري والفكري، سواء أكان ذلك في الغرب أم عند العرب. فلا بد – إذاً- من تبني المقاربة التاريخانيةلعقلنة موروثنا الثقافي والحضاري، وتحقيق التقدم الهادف والبناء. وفي هذا السياق، يقول عبد الله العروي:” الغالبية العظمى منهم بحسب المنطق التقليدي السلفي، والباقي بحسب منطق انتقائي، إلا أن الاتجاهين، يعملان على إلغاء البعد التاريخي، ولكن إذا محا المثقف التاريخ من فكره، فهل يمحوه من الحقيقة الواقعة؟ بكل تأكيد لا. إن التاريخ من حيث هو بنية ماضية- حاضرة يشكلالشرط الحالي للعرب، تماما- بمقدار ما يشكل شرط خصومهم، وذلك أن الفكر اللاتاريخي لا يؤول إلا إلى نتيجة واحدة: عدم رؤية الواقع . وإذا ترجمنا هذا بعبارات سياسية، قلنا : إنه يوطد- في جميع المستويات- التبعية”.
ومن زاوية أخرى، يرى الباحث المصري الدكتور حسن حنفي أنه من الضروري العودة إلى الماضي لفهمه جيدا ، واستيعابه بشكل متأن وواع، وقراءته قراءة سياقية وظيفية، وذلك لفهم حاضرنا المعاصر، وتنويره بطريقة إيجابية بناءة وهادفة ، قصد تحقيق أصالتنا من أجل السير به نحو التقدم والازدهار. وفي هذا النطاق، يقول الدكتور حسن حنفي:” الحديث عن القديم يمكن من رؤية العصر فيه، وكلما أوغل الباحث في القديم ، وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة، ولما كان التراث يشير إلى الماضي، والتجديد يشير إلى الحاضر، فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر , وإيجاد وحدة التاريخ”.
و يرى حسن حنفي أيضا أنه من الصعب الفصل بين ثنائية الأصالة والمعاصرة أثناء حديثنا عن التراث، فبينهما اتصال بنيوي عضوي، وجدلية مترابطة حاسمة: ” إنما تعني الأصالة والمعاصرة وحدة باطنية عضوية بينهما، بحيث تتحقق وحدة شخصية في حياة الفرد والمجتمعات.”
ويذهب الدكتور عباس الجراري ، ضمن منظوره التاريخي الجدلي، إلى القول بجدلية الماضي والحاضر والمستقبل، وترابط هذه الأزمنة في بوتقة واحدة لفهم ذواتنا ، وفهم حقيقة الآخر ، وفهم الطريقة التي نتعامل بها مع التراث:”إن الارتباط وثيق بين الماضي والحاضر والمستقبل في علاقة جدلية حتمية، تجعل الماضي منعكسا على الحاضر، ومؤثرا في المستقبل، وتجعل بذلك حركة التاريخ حركة كلية لا تتجزأ…”
أما الباحث علي زيعور، فينظر إلى توظيف التراث نظرة سيكولوجية ، وذلك باعتباره مؤشرا حقيقيا للدفء الذاتي ، ومنبعا للاستقرار والتوازن النفسي، ووسيلة لتحقيق الشعور بالانتماء الحضاري والثقافي ، وتوفير الراحة النفسية أثناء التعامل مع الآخر،فيقول علي زيعور بأن:” التشكيك بقيمة الموروث الحضاري عملية تزعزع الثقة بالنفس وبالنص ؛ لأنها تخل بالتوازن بين الأنا وحقلها الحضاري الذي يعطي الإنسان عمقا، وقيمة، وشعورا بالانتماء. ومن ثمة، بالأمن والاطمئنان. أي: بالقدرة على الاستمرار والتكيف.”
زد على ذلك، يرى أدونيس في معظم كتاباته ، ولاسيما في كتابه: ” الثابت والمتحول، أن التعامل الحقيقي مع التراث العربي الإسلامي ينبغي أن يقوم على خلخلة هذا التراث ، وغربلته غربلة جيدة في ضوء مناهج حديثة ومعاصرة، عن طريق قراءة واعية ومتعمقة، قائمة على التفكيك والتركيب ، والبحث عن نقط التحول والتغير والمغامرة الحداثية في هذا الموروث الإنساني ، مع إبعاد كل ما يمت بصلة إلى الدين والمقدس والثابت القيمي والأخلاقي. ويعني هذا أن أدونيس يدعو إلى قراءة للتراث، قائمة على التثوير والتغيير والتطوير. وإن كانت هذه القراءة الحداثية غير موضوعية إلى حد ما، لكونها خاضعة لمشرح التغريب والاستلاب والهدم؛ وتنطلق من مرجعية تفكيكية أجنبية، لا تعترف بالدين والقيم والأخلاق والأعراف.
وفي هذا السياق نفسه المتعلق بالكتابات التراثية، يقول محمد الدريج:”يندرج هذا النموذج البيداغوجيالتدريس بالملكات،ضمن منظور paradigme “تجديد التراث، بل هو اجتهاد لتطبيقه في المجال التربوي التعليمي . هذا المنظور الذي بلوره العديد من المفكرين المعاصرين، وفي مقدمتهم أستاذنا الكبير محمد عابد الجابري ، في أعماله الرائدة للجواب عن الأسئلة المصيرية التالية:” كيف نستعيد مجدنا؟كيف نحيي تراثنا ؟ كيف نعيش عصرنا؟ كيف نتعامل مع تراثنا؟كيف نعيد بناء شخصيتنا ؟ كيف نحقق ثورتنا؟.
يدرك الجابري أن تراثنا تراث حي، لأنه ظل ساريا بيننا متغلغلا في نفوسنا، وأنه قابل للتطور، في حين بقيت ثقافتنا/ عقليتنا السائدة حالياً متخلفة ، إنهامن مخلفات عصور الانحطاط، خاصة في طريقة التفكير التي تنتهجها”. ولهذا ، دعا إلى ضرورة تخليصها أولا من شوائبها، ثم بعد ذلك، تبني طريقة موضوعية في قراءة ما تستبطنه وتختزنه من تراث.
تستند الطريقة الموضوعية في قراءة التراثإلى إعادة النظر في ترتيب العلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر، أو الحداثة والتراث، آو الفهم التقليدي للتراث والفهم العلمي. على أن الجابري في قراءته العلمية ينحاز منذ البداية للحداثة، ويجعلها منطلقه ومنتهاه، ولا تتحقق تلك الحداثة إلا بالارتكاز على التراث . ولذلك، فأول مهام المفكر هي ضرورة تحريرنا من الفهم التراثي للتراث ، الذي تحكم طويلا بعقليتنا، وتخليص هذا التراث من طابعه العام والمطلق والمقدس، ووضعه في إطاره الحقيقي. أي: إطار النسبية والتاريخية، ولا يتحقق ذلك إلا بتأسيس الفهم العقلاني و الحداثي والديمقراطي للتراث .
و يخلص أصحاب منظورتجديد التراث،وفي طليعتهم مؤسسه محمد عابد الجابري ، بأن للعودة إلى التراثدورا وظيفيا حاسما للنهوض بأمتنا، وانبعاث حضارتها، ويتمثل هذا الدور في الارتكاز على التراث لنقد الحاضر البائس وتأسيس المستقبل. كما أن لهذه الدعوة المجددة وظيفةدفاعية للحفاظ على هويتنا وأصالتنا ضد التبعية والاستلاب. ” لقد كان التراث دائما حصنا منيعا للدفاع عن الاستقلال، وللحفاظ على الذات وخصوصيتها الثقافية، وقدرتها على التحرر والإبداع”.
على أن قراءة الجابري هي في الآن نفسه دعوة إلى القطيعة ، لكنها ليست قطيعة مع التراث برمته، وإنما قطيعة مع نماذج معينة من التراث سادت في عصر الانحطاط، وقطيعة مع القراءات و المناهج غير الموضوعية . “إن القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحولنا منكائنات تراثيةإلى كائنات لها تراث. أي: إلى شخصيات يشكل التراث أحد مقوماتها، إنها دعوة إلى تجديد التراث، لا إلى إلغائه “.
إن تجديد التراث ينبغي أن يتم وفق رؤيةٍ معاصرة، فننتقي منه النماذج الإيجابية التي تساعدنا على بناء حاضرنا، واستشراف مستقبلنا، ونترك نماذجه السلبية أو نعدلها. فتجديد التراث يعني اختيار النماذج النافعة من تراثنا اختياراً قائماً على الفهم والتمييز والنقد والمفاضلة بين العناصر التراثية، وجعل الصالح منها منطلقاً إلى الإبداع والابتكار .
لقد وجد هذا المنظورالجابري،( و الجابرية عموما)، المستنير والتقدمي والحداثي للتراث ، طريقه إلى إعادة تشكيل الرؤى و الباراديكمات ، التي يستلهمها العديد من الباحثين حاليا ، منهم على سبيل المثالمحمود السيد ، الذي يستخلص وجود نماذج جيدة في تراثنا ينبغي الإفادة منها وتوظيفها، ومن هذه النماذج:
-
النموذج العلمي التجريبي: الذي طوره عدد من علمائنا القدامى، مثل: جابر بن حيان، والبيروني، وابن الهيثم، والخوارزمي، وابن النفيس،وغيرهم كثير.
-
النموذج الوظيفي أو النفعي للمعرفة، انطلاقا من الدعاء النبوياللهم علّمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علماً، وكلُّ علمٍ وبال على صاحبه إلا من عمل به.”
-
النموذج التربوي، الذي يجعل التعليم مدى الحياة حقّا للإنسان وواجبا عليه وعلى الدولة، ويجعل الحرية الفكرية أساسا لتنمية الشخصية الإنسانية، وتنمية المعرفة ذاتها.
كما نعثر في تراثنا على نماذج كثيرة لها راهنتيها، ويمكن استلهامها وإغناؤها وتوظيفها في حل الكثير من الإشكاليات، من مثل:
-
النموذج اللغوي؛
-
النموذج القانوني ؛
-
النموذج الاجتماعي؛
-
النموذج الأخلاقي ؛
-
النموذج الإنساني
و نستخلص نحن بدورنا ، وعلى هدي هذا المنظور ( الباراديكم ) ، نموذجا أصيلا آخر من تراثنا، نغنيه ونوظفه للمساهمة في الإصلاح البيداغوجي المنشود ، وهو النموذج التعليميالتدريس بالملكات”" .
تلكم – إذاً- أهم العوامل التي كانت وراء ظهور نظرية الملكات في الساحة التربوية المغربية، وقد جاءت نظرية محمد الدريج كرد فعل على فشل المنظومة التربوية المغربية، بعد النتائج الهزيلة التي أسفرت عن تطبيقنظرية الكفايات و الإدماج.
D التصور النظري لبيداغوجية الملكات:
تعدنظرية الملكات لمحمد الدريج نظرية تربوية معاصرة أصيلة. وقد انطلق الباحث من فرضية رئيسة ألا وهي: أنإنقاد المنظومة التربوية بالمغرب رهين باستلهام النظريات التربوية التراثية التي تنبني على الهوية والقيم والحداثة الحقيقية. وبالتالي، فلابد من استكشاف مختلف القدرات لدى المتعلم وتنميتها وتطويرها وصقلها وشحذها، بحثا عن مردودية إنتاجية ناجعة، تمتاز بالجودة والحذق والمهارة. ومن ثم، يعرف الدريج الملكة قائلا: “الملكة تركيبة مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات، تكتسب بالمشاهدة والمعاينة، وترسخ بالممارسة وتكرار الأفعال ، في إطار حل مشكلات، ومواجهة مواقف، والملكة قابلة للتطوير و التراكم المتدرج (هيآت ، حالات ، صفات…)، و يكون لها تجليات سلوكية خارجية (حذق، كيس ، ذكاء، طبع” .
ويعني هذا أن الملكة خاصية مركبة تتكون من مجموعة من القدرات والكفايات والمهارات والصناعات والاتجاهات والميول ن يتسلح بها الإنسان المتعلم من أجل مواجهة الوضعيات المعقدة ، وحل مختلف المشكلات التي تعترضه في الحياة، وتعبر هذه الملكات عن حصافته وحنكته وحذقة وبراعته وذكائه. بمعنى أن الملكات معيار للجودة والمهارة والإتقان، وتكتسب عبر الممارسة والمعاينة والتجريب والتكرار حتى تترسخ صفة المهارة والحذق في نفس الإنسان. وفي هذا الصدد أيضا يقول
عبد الكريم غريب بأن الملكة هي:” مجموع القوى العقلية المفترضة ، مثل: ملكة المعرفة وملكة الإرادة وملكة الذاكرة؛ ويهتم علم نفس الملكات بالملكات التي تنتج الأنشطة العقلية المختلفة .وهي إمكانات ومؤهلات الفرد المعرفية التي يولد الفرد مزودا بها وراثيا، وتعمل التربية والخبرة على صقلها.”
ويعني هذا أن الملكات مرتبطة بالعقل والدماغ العصبي من جهة، ومقترنة بالمكتسب التجريبي عن طريق الملاحظة والاكتساب والتكرار وفعل العادة والدوام والاستمرار من جهة أخرى. ومن هنا، فالتكرار آلية من آليات اكتساب المعرفة لدى الإنسان المتعلم وغير المتعلم.
وعليه، فالملكات هي بمثابة قدرات وطبائع وصفات وأحوال وهيئات وقدرات واتجاهات وميول تكون وراثية من ناحية، أو مكتسبة من ناحية أخرى، وذلك عن طريق التجريب والتكرار وفعل العادة، من أجل مواجهة الوضعيات والظروف التي يوجد فيها المتعلم. “علما بأنمفهوم الملكة هذا لا يمثل بديلا عن مفاهيم البنيات الذهنيةوالقدرات والمهارات والكفاياتالمتداولة اليوم في مجال علم النفس المعرفي و غيره، بل يعتمد عليها، ويغتني بها ، لكنه يوظفها بشكل أصيل . أي: باعتماد معاني الملكات، وما ارتبط بها من مفاهيم ، في أصل نشأتها وتطورها لدى علمائنا . إنه تصور عقلي- وظيفي لظاهرة التعلم والتملك المعرفي ، ينطلق من مقترحات ابن خلدون وغيره ممن لمعوا في مجال التربية ، مع اللجوء للأبحاث المعاصرة لتهذيبها وتعميقها و أجرأتها ، من خلال جملة المفاهيم النفس-عرفانية المذكورة آنفا. ”
ويتضح، مما سبق ذكره، أن نظرية الملكات تعتمد على مجموعة من المصادر ، سواء أكانت تراثية عند علمائنا القدامى كابن خلدون- مثلا- أم كتابات معاصرة سيكولوجية وبيداغوجية، كالاستفادة- مثلا- من نظرية الكفايات والإدماج، ونظرية الأهداف، ونظرية الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية، والنظريات اللسانية
ويلاحظ أن محمد الدريج يحاول تأصيل نظريته التربوية بالاعتماد على الكتابات التراثية، كما تتجلى في آراء ابن خلدون في كتاب (المقدمة)، والاعتماد على ما كتبه محمد عابد الجابري من دراسات حول التراث، علاوة على ذلك، فجميع النظريات الغربية التي جربت في الحقل التربوي المغربي لم تؤت أكلها؛ مما جعل التعليم المغربي يعاني من أزمات متوالية ومتتابعة بسبب سياسة التجريب والترقيع والاستنبات. لذا، عاد محمد الدريج إلى التراث لبلورة نظرية تربوية أصيلة نابعة من التربة العربية المحلية، مع الاستفادة قدر الإمكان من تصورات غربية في السيكولوجيا والبيداغوجيا، خاصة نظرية الكفايات والذكاءات المتعددة.
D تصنيف الملكات عند محمد الدريج:
تتنوع الملكات عند محمد الدريج، فهناك ثلاثة أنواع كبرى من الملكات: ملكات أساسية في الحياة، وملكات أكاديمية في التعليم، وملكات مهنية في الصناعة . فالملكات الأساسية في الحياة هي التي لايمكن الاستغناء عنها، فهي آليات رئيسة في اكتساب المعرفة الجوهرية. وتنقسمأولاإلى ملكة اللغة والتواصل شفويا وكتابيا، وملكة الحساب والتعداد. وثانيا، الملكات المعرفية والمنطقية التي تستند إلى مجموعة من العمليات الذهنية والمنطقية ، وذلك باستعمال التأمل العقلي كتابة، وتقوية العقل عن طريق الحساب العددي. وثالثا، الملكات-العملية الاجتماعية التي ترصدأوليات السلوك والممارسات في الاجتماع البشري والأخلاق، وتهتم بتدبير المنزل.
أما الملكاتالأكاديمية في التعليم، فهي ملكات تربوية نوعية مرتبطة بالتعلم واكتساب المعرفة، وتتفرع هذه الملكات إلى الأنواع التالية:
u
ملكات في علوم دنيوية ، مثل: الرياضيات، وعلوم الطبيعة، وعلوم اللغة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتاريخ، وعلم الكلام والجدل، والمنطق، والفلسفة
v
ملكات في علوم شرعية، مثل: أصول الدين، وعلم التوحيد، والفقه، والتفسير، وعلوم القرآن والحديث، والتصوف
w
ملكات لأجل علوم عملية، مثل : السياسة المدنية والملكات التكنولوجية
x
ملكات مهنية، وترتبط بالمهن والصنائع والتقنيات
y
ملكات الصناعة البسيطة، وتكون في الضروريات والصنائع الضرورية،مثل: الفلاحة ، و البناء ، و الحدادة ، و النجارة ، والخياطة. وتعد ضرورية ؛ لأنها توفر ما هو ضروري للعيش والحياة.
z
ملكات الصناعة المركبة: تكون في الكمالياتوالصنائع الشرفية، مثل : التوليد ، و الكتابة ، و الغناء ، و الطب ، و التعليم، وهي شرفية لأنها تعطي صاحبها شرف الترقي.
D التمثل التربوي التطبيقي لبيداغوجية الملكات:
من المعلوم أن التعليم المغربي قد جرب مجموعة من النظريات والطرائق التربوية لإصلاح التعليم، وخاصة تلك النظريات الغربية التي تم استنباتها في التربة المغربية تجريبا وترقيعا، كنظرية الأهداف، ونظرية الكفايات، ونظرية الشراكة، ونظرية المجزوءات، ونظرية الجودة، وغيرهاومن ثم، فقد جاءت نظرية الملكات في السياق نفسه لإصلاح التعليم، وتقديم بديل جديد، بعد أن فشل التعليم المغربي في تطبيق بيداغوجيا الكفايات والإدماج التي لاتتلاءم فلسفتها مع الواقع المغربي. لذا، بادر محمد الدريج إلى اقتراح نظرية تربوية بديلة سماها بنظرية الملكات، وقد امتحها من كتابات الجابري التراثية، واستفاد كثيرا من علمائنا القدامى في مجال التربية والتعليم كابن خلدون مثلا. ومن ثم ، يتمثل الغرض من هذه النظرية في التوجهات التالية:
“-
المساهمة فيالإصلاح البيداغوجي لنظام التعليم ، وجعله قادرا على مواجهة مختلف الصعوبات والتحديات،خاصة على المستوى المنهاجيالديداكتيكي.
-
تعميم تعليم مندمج و أصيل عالي الجودة، و تبني مبادئ و مفاهيم تربوية تراثية.
-
توظيف مفاهيم وأدوات تدريسية متجددةمما يشجع ، في المنظومة التربوية ،التفاعل بين الموروثالثقافي و التطورات و الكشوف التربوية المعاصرة ، وذلك بالعمل على :
-
دراسة الممارسات والتجارب التربوية في تراثنا و إغنائها وتوظيفها.
-
دراسة التجارب التربوية العالمية وتقويمها والاستفادة منها.
-
مد الجسور التربوية-التعليمية بين هويتنا الثقافية و المنجزات العالمية المعاصرة .
-
ترسيخ لدى المتعلم الهوية التراثية-الأصيلة التي ترفض الاغتراب والاستلاب والتبعية بجميع أشكالها، وخلق الانسجام والتوازن بينها وبين الهوية المنفتحة التي تتميز بالحوار وبالتواصل المعرفي، والانخراط في مسيرة الحضارة الكونية.
-
المساهمة في الانعتاق من النقل والتقليد ، وتفعيل شخصيتنا الأصيلة والمبدعة، سواء كأفراد أم جماعات، و المساهمة بفعالية في تقويتها بالتربية البدنية والتربية الفكرية ، وبترسيخ الاتجاهات الايجابية المقبولة والقيم الأخلاقية وقيم المواطنة.”
هذا، ويلاحظ أن محمد الدريج يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وينفتح على المستجد من الأفكار والنظريات التربوية والسيكولوجية واللسانية المعاصرة. بمعنى أنه يمتح آراءه من النظريات التربوية التراثية. وفي الوقت نفسه، يستفيد من مستجدات النظريات البيداغوجية العالمية. كأني بالدريج يدعو إلى الاعتماد على الذات في ابتكار نظرياتنا التربوية،وعدم الانسياق وراء النظريات التربوية الغربية، بغية استنباتها في التربة التربوية المغربية. وفي هذا الإطار، يقول محمد الدريج :” كما ندعو ارتباطا بذلك، وفي سياق تأصيل نشاطنا التربوي وغيره، وتحريره من مختلف أشكال التبعية والتقليد والاتكالية واستيراد النظريات الجاهزة ،إلى إعادة النظر في أساليب عقد اتفاقيات الشراكة، وتفويت الصفقات مع مكاتب الدراسات، وخاصة المكاتب الأجنبية، وتقنين ومراقبة نشاط المنظمات الدولية ووكالات التعاون وكل الجهات الداعمة، والتي يكون لها بالغ الأثر في اختيار هذا النموذج أو ذاك. وبالتالي، في وضع/فرض استراتيجياتالإصلاح، وفحص وتقويم نشاطها بما يخدم المصلحة الوطنية قبل كل شيء، ويستجيب للحاجيات الحقيقية للأفراد والجماعات ومتطلبات الجهات والقطاعات المستفيدة من الدعم ، في جميع مجالات التنمية. ”
ويتأكد لنا، بشكل جلي، بأن محمد الدريج ينطلق في تصوراته البيداغوجية النظرية من الرؤية الجابرية في التعامل مع التراث؛ لأن الجابري يدعو إلى قراءة التراث قراءة علمية حداثية موضوعية منفتحة من أجل بناء حداثة مستقبلية. بمعنى الاستفادة مما هو إيجابي في التراث لبناء الحاضر والمستقبل، إذ يمكن الاستفادة من النظام البرهاني عند ابن رشد، ويمكن الاستفادة من النموذج العلمي التجريبي عند البيروني، وابن النفيس، وجابر بن حيان، والبيروني. ويمكن الاستفادة من النموذج النفعي للعلم، والنموذج التربوي، والنموذج اللغوي، والنموذج القانونيوالنموذج الاجتماعي، والنموذج الإنسانيومن ثم، يعد نموذج الملكات من النماذج البراديغمية التي يمكن الاسترشاد بها في مجال التربية والتعليم.
هذا، ويستند النموذج التدريسي عند محمد الدريج على الملكات بالمفهوم التراثي، مع تطعيمها بمفاهيم معاصرة لتحقيق الجودة التربوية والتعليمية. وإذا كان نموذج محمد الدريج يقوم على توظيف الملكات، فإنه نموذج تأصيلي وتأسيسي في ثقافتنا التربوية المعاصرة:” إن ما يبرراقتراحنا لمدخل الملكات ، هو العمل والاجتهاد لتأصيل النشاط التربوي، و إيجاد بدائل مستمدة من تراثنا التربوي، و السعي ، في نفس الآن ، لإغناء النماذج والمقاربات الحالية والمستجدة في الساحة التربوية – التعليمية ، بهدف عقلنة التدريس، وجعله أكثر فاعلية واندماجا ، و تطويره من خلال تربية غنية ومبدعة ، دون التضحية، باسم العولمة ، بخصوصيتنا واستقلالنا. ”
كما تعمل هذه النظرية على خدمة حاجيات المتعلمين، وتطوير قدراتهم الإبداعية والابتكارية:” إننا ننطلق في هذاالنموذج ، من انتقاد التوجهات التي تريد أن تجعل من بعض المقاربات في التعليم ، وباسم التجديد ، أداة لتطويع البشر وترويضهم وبرمجتهم وفق أنماط غربية وغريبة، ضدا عن مصالحهم وعن احتياجاتهم الحقيقية؛والعمل على رفض المناهج التي تسعى إلى خلقأنماط من التفكير والأداء محددة سلفاً وبكيفية آلية، والتضييق من قدرات المتعلمين الإبداعية، عوض أن نيسر لهم سبل الاختيار بما يتوافق مع خصوصياتهم و طموحاتهم، ويمكنهم من التثقيف الذاتي والتطوير الشخصي. ”
هذا، وتنتقد نظرية الملكات المقاربات السلوكية القائمة على نظرية الأهداف التجزيئية. وفي الوقت نفسه، ترفض نظرية الكفايات القائمة على إدماج المكتسبات لحل الوضعيات:” ننتقد الاكتفاء بالصياغات الإجرائية- السلوكية و الوضعياتية ، سواء للأهدافأم للكفايات أم للمعاييروكما هو سائد في بعض الأنظمة التعليمية ، التي تكتفي باستيراد هذه المقاربة أو تلك ، والتوقف عند المؤشرات الجزئية ، والتي كثيرا ما تؤدي،فضلا عن السقوط في التبعية، إلى الآلية والنزعة نحو التفتيت .
إن التحديد الإجرائي-السلوكي للأهداف على سبيل المثال، كثيرا ما يمنع المدرسين من الاستفادة من الفرص التعليمية غير المتوقعة التي تحدث داخل الأقسام ، فيستبعدون مبادرات التلاميذ، بل ومبادرات المدرسين أنفسهم، والتيتفرضها المواقف التعليمية المستجدة، ولا تتناولها الأهداف أو الكفايات أو المعايير ، المحددة سلفا ، و بعبارات سلوكية جامدة.”
ومن جهة أخرى، تعتمد نظرية الملكات على وضع إستراتيجيات مستقبلية وخطط استشرافية لتحقيق الجودة التربوية والنجاعة البيداغوجية. وبالتالي، ترتكز على أربع إستراتيجيات منهجية أساسية، وهي: الأصالة، والانفتاح، والاندماج، والتخطيط.
وهكذا، يقوم مرتكز الأصالة على تبني النظريات التربوية التراثية العربية القديمة، وتمثلها بيداغوجيا وديداكتيكيا، عن طريق الاستفادة من إيجابيات التعليم العتيق، وغرس القيم الأخلاقية في نفوس المتعلمين، والتشديد على الهوية من أجل الحفاظ عليها، والاشتغال على تربية القيم، واستعمال الطرائق والأساليب البيداغوجية لدى علمائنا القدامى التي كانت تجمع بين الحفظ والحوار والمناقشة والنقد، وكل ذلك من أجل فهم الملكات فهما حقيقيا، وتجديد التراث التربوي، وتأصيل التعليم العربي الإسلامي، والاستجابة للحاجيات الأساسية للمتعليمن، والعمل من أجل بناء هوية إسلامية أصيلة ومبدعة.
في حين، يتمثل مرتكز الانفتاح في ترسيخ الهوية المنفتحة على الآخر، والاستفادة من معارفه ومخترعاته وابتكاراته، وتوظيف كشوفاته ونتائج بحوثه النظرية والتطبيقية. في حين، يقوم مرتكز الاندماج على اعتماد مفهوم شمولي للمنهاج، والعمل على تحقيق نوع من التكامل بين الأهداف والمضامين. بينما يعتمد مفهوم التخطيط على استشراف المستقبل، واندماج المنهاج مع خصوصيات الجهات، واندماج المراحل والشعب.
وبناء على ماسبق، يقول محمد الدريج :” يتعلق الأمر هنا بإيماننا بأن تسليط الأضواء في نموذج التدريس بالملكات ، على الاحتياجات الحقيقية للتلاميذ وأسرهم كما أسلفنا ، يتطلب تحديد الأولويات والاختيارات الملائمة برؤية استباقية واعية، قصد مساعدة صانعي القرارات التربوية وواضعي تشريعات تطبيقها وأساليب إنزالها ، للتوجه نحو الأهداف بعيدة المدى، مع إطْلاعهم على التدابير الواجب اتخاذها في الحين، قصد الوصول إليها. إن من أبرز الأزمات التي تعاني منها العديد من الأنظمةالتربوية ،ومن ضمنها نظامنا،العجز عن تحديد الغايات النهائيةللنشاط التربوي في أطار فلسفة واضحة المعالم، وفي إطار استشراف المستقبل .
إن استشراف المستقبل عموما، ومستقبل النشاط التربوي على وجه الخصوص، يعني استخلاص عبرة من الماضي، و اعتماد سيناريوهات مختلفة معدة سلفا، لجميع الحالات الطارئة المحتملة، بالانطلاق من المسلمات والافتراضات المتفق عليها من مختلف اتجاهات البحث العلمي والفكري والعقائدي والتكنولوجي؛ وتعيين الإمكانيات والقدرات اللازمة لإنجاز أي مسار مستقبلي.
كما نعني بالاستشراف في هذا المجال ، دراسة الوجهة المستقبلية للمتغيرات ومكونات المنظومة، ومتابعة مسار تطور الملكات الأساسية الضرورية للانخراط في المهن وفيالتنمية عموما ، والتي يجب عدم إغفالها لأنها تنبئ بالمستقبل. شريطة أن يكون استشراف المستقبل مبنيا على تخطيط استراتيجي علمي ، ينطلق من حيثيات ومعطيات واقعية وتوقعات معقولة. وفي هذا الصدد، يؤكد عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة أهمية المنهج العلمي في دراسة المستقبل، فيقول: “لا يكمن دور الاستشراف في إصدار التنبؤات اعتباطياً؛ بل يتجلى هدفه في تحديد الاتجاهات، وتخيُّل مستقبلٍ مرغوبٍ فيه، واقتراح استراتيجيات تحويله إلى مستقبل ممكن “.
ولا ننسى أيضا أن نظرية الملكات تعتمد على منهاج شامل في معالجة قضايا التربية والتعليم. وفي هذا السياق، يقول محمد الدريج أيضا:” إننا نروم في هذه المقاربة الانطلاق من النظرة الشمولية للمنهاج،و نقترح أن يستهدف المنهاج التربوي في مكوناته الأساسية: الأهداف التربوية،والتي تستحضر مختلف عناصر الوظيفة التربوية ، سواء المعرفية منها أم الجسمية (الحسية – الحركية و المهارية )، أم الروحيةالأخلاقية الوجدانية. كما يستهدف الاختيارات المعرفية والعلمية (المضامين) ، وكذا الطرائق والأساليب والتقنيات والكتب المدرسيةو أنظمة التقويم،وخصوصيات الفئات المستهدفة ، وأساليب المتدخلين من مدرسين ومرشدين وإداريين (القيادة التربوية)، و تنظيم الحياة المدرسية (التنظيمات البيداغوجية، وتوزيع الزمن المدرسي، و الأنشطة الموازية)… ”
هذا، وتقوم نظرية الملكات على مبدإ الاندماج بين النظري والتطبيقي، بين الشعب الأدبية والعلمية والتقنية، بين المستويات الدراسية، بين المحلي والجهوي والوطني والقومي. وفي هذا، يقول محمد الدريج :” من المكونات الأساسية في نموذج التدريس بالملكات، اعتماد مبدأ الاندماج بمعناه الحقيقي كما نتبناه فيالمنهاج المندمج، والذي نعتبره السياق الطبيعي لتطبيق هذه البيداغوجيا الأصيلة ، يسعى المنهاج المندمج للمؤسسة (م 3) كما نتصوره ، إلى التكامل، لكن ليس بمعناه الضيق والمنحرف الذي يختزله في الاندماج على مستوى الموارد المعرفية التي يكتسبها التلميذ، ويجندها لمواجهة وضعيات . بل بمعناه العميق والشامل والذي يتمثل في المبادئ الثلاثة التالية:
u
الاندماج العمودي بين المراحل والشعب: وذلك من خلال إعادة النظر في هيكلة التعليم (الابتدائي –الإعداديالثانويالعالي)، مع التشبث برؤية مندمجة لتطوير مختلف أسلاك التعليمية بالعلاقة مع التكوين المهني باعتباره جزءا من المنظومة التعليمية، وذلك بموازاة مع تطوير التعليم العتيق والأصيل، و إيجاد جسور التواصل بينه وبين الأنظمة الأخرى في التعليم العام والخصوصي. كما ترغب المقاربة التربوية المندمجة في الحد من الازدواجية الفاصلة بين مناهج القسم العلمي والتقني ( الفني) ومناهج القسم الأدبى، وذلك بتزويد الطالب بخلفية متينة فى اللغة والرياضيات والعلوم الطبيعية والإنسانية والتكوين الثقافي العام، وذلك بشكل متوازن.
v
الاندماج الأفقي أو (التناسق والتكامل المعرفي) : ويتمظهر جليا في توزيع السنة الدراسية إلى دورات وفصول ومجزوءات، و مراجعة تنظيم الدراسة في مختلف الشعب والتخصصات، و تنظيم المواد الدراسية ووحدات التخصص، بالنظر في إمكانية إحداث مواد جديدة، ومد الجسور بين المواد المعروفة تقليديا، وذلك بتطبيق مبدأ التكامل ، مع مراعاة خصوصيات المواد الدراسية والتخصصات على حدة. و ينبغي أن يتم تحقيق التكامل بين المواد الدراسية والبناء المتدرج لمفاهيمها وفق آخر ما توصل إليه العلم في ميادين النمو العقلي والنفسي للمتعلم ، مثل: توظيف نظرية الذكاءات المتعددة.
ومن ناحية أخرى،يشمل هذا المبدأ الإستراتيجي الاندماج بين النظري والعملي في إطار واحد ، ومنه ضرورة عناية التربية بالربط بين الفكر والعمل، وإلغاء الثنائية التي نلاحظها في المدرسة الحالية السائدة في بلداننا. إذ يشترط في المدرسة المندمجة الأصيلة تحقيق الحد الأدنى من التكامل بين جميع الأنشطة التربوية داخل القسم وخارجه ، وبين موضوعات الدراسة النظرية والدراسة العملية ؛ مما يساعد في بناء إنسان سوي، ذي شخصية متوازنة ، يفكر بعقله، ويجرب بيديه.
w
الاندماج المنهاجي( curriculaire) مع متطلبات المجتمعات المحليةبمراعاة العلاقة التفاعلية بين ما تقدمه المدرسة من برامج ومحتويات، وما يسعى المجتمـع إلى تحقيقه من أهداف وغايات وملكات، باعتبار المدرسة محركا أساسيا للتقدم الاجتماعي، وعاملا رئيسا من عوامل التنمية. مع الحرص على مراعاة المنهاج الدراسي لخصوصيات المناطق والجهات في أفق العمل بالجهوية الموسعة.
وهكذا، يسير الاندماج المقصود في المنهاج الذي نتبناه- يقول الدريج-، والذي يأتي نموذج التدريس بالملكات تتويجا له، يسير في اتجاه متصاعد، بدءا من المستوى المحلي، ثم الجهوي، فالوطني (أي على مستوى المجتمع ككل)، لنصل في النهاية إلى تحقيق الاندماج على المستوى الإقليمي (العربي – الإسلامي). إننا نقترح أن تتميز المقاربة، والمنهاج التربوي عموما ،بالسماح للعاملين في قطاع التعليم، بقدر من المرونة في صياغة الملكات المستهدفة، واختيار المضامين التعليمية الملائمة . حيث نمكن المناطق والمؤسسات والجهات التي يشتغلون بهامن قدر من الحرية لتعديل المقررات الدراسية ومواءمتها مع الاحتياجات والخصوصيات الجهوية ، مع احتفاظها بالأسس المشتركة في المنهاج العام، وإقامة مشاريع الشراكة التربوية . حيث تترك للمؤسسات المبادرة في عقد اتفاقيات التعاون مع القطاع الخاص وفعاليات المجتمع المحلي، وتعديل مناهجها الدراسية بشكل مندمج ، بما يساير خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويلبي ، في الآن نفسه ، الاحتياجات الحقيقية للتلاميذ ومتطلبات أسرهم ، دون الإخلال بالمنهاج العام، وبالسياسة العامة للدولة. ”
وعليه، تبنى نظرية الملكات على التخطيط والتدبير العقلاني الجيد، والإستراتيجية الاستشرافية المعقلنة، عن طريق تحديد الملكات المستهدفة بدقة، وتسطير أهدافها العقلية والروحية والجسدية.
أما في ما يخص التوجهات في المضامين المعرفية والفكرية، فلابد من اعتماد مبدأ الاندماج والتكامل والتنسيق بين مختلف أنواع المعارف وأشكال التعبير؛وتمثل مبدأ الاستمرارية والتدرج في عرض المعارف الأساسية عبر الأسلاك التعليمية؛ وتجاوز التراكم الكمي للمضامين المعرفية؛ واستحضار البعد المنهجي والروح العلمية-الموضوعية في تقديم محتويات المواد؛والعمل على استثمار عطاء الفكر الإسلامي خاصة، و الإنساني عامة ، لخدمة التكامل بين المجالات المعرفية؛والحرص على توفير حد أدنى من المضامين الأساسية المشتركةوالملكات الأساسية لجميع المتعلمين في مختلف المراحل (خاصة الأولى منها) والشعب؛ وإحداث التوازن بين المعرفة في حد ذاتها (النظرية) والمعرفة الوظيفية – التطبيقية، واندماج محتويات المناهج خاصة في المراحل الأولى من التعليم، وارتباطها بخصوصيات الجهات واستجابتها للحاجيات الفردية والجماعية. ”
وعليه، تنبني نظرية الملكات التربوية خصوصا على القيم الإسلامية العادلة. وفي هذا، يقول الدريج :” يروم هذا المكون الأساسي في نموذجالتدريس بالملكات، وتعزيز دور المدرس و المدرسة في نشر قيم المواطنة والأخلاق والآداب الحميدة، وتقوية مكانة التربية الإسلامية والتربية على المساواة وحقوق الإنسان، وثقافة الإنصاف والتسامح، ونبذ الكراهية والتطرف.
كما يروم الانطلاق من القيم التي يتم إعلانهـا كمرتكزات ثابتة في النظام التربوي، والمستندة أساساإلى موروثنا الثقافي (ننظر على سبيل المثال ما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين حول منظومة القيم، وكذا فيالكتاب الأبيض، خاصة في جزئه الأول المتعلق بالاختيارات والتوجهات على مستوى القيم، والتي ينبغي العمل على توظيفها فيما يعرف (بالتربية على القيم ) ،وعلى أجرأتها في المقررات والكتب المدرسية وأنظمة التقويموالتي تستلهم بالأساس من:
قيـم العقيدة الإسلامية؛
قيـم الهوية الحضارية لأمتنا ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛
قيـم المواطنـة وحقوق المواطن وواجباته؛
القيم الكونية لحقوق الإنسان… ”
ويتعين بغية تيسير اكتساب الملكات، وتنميتها على الوجه اللائق عند المتعلم، مقاربتها من منظور شمولي لمكوناتها، ومراعاة التدرج البيداغوجي في برمجتها، ووضع مجموعة من الإستراتيجيات الإجرائية لاكتسابها، تستند إلى مراحل وخطوات، كما يتم تحصيل الملكات عند ابن خلدون وغيره ، مع الاستفادة من التدريس بالمشكلات، والعمل بفكرة المشروع (مشروع المؤسسة والمشاريع الشخصية…) للربط بين النظري والعملي ،واعتماد حلول تربوية تسمح بالعمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلمين ووتيرة التعلم لديهم ونوع ذكائهم الغالب ،ولذلك قيل : “كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه ، حتى تسلم منه، وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار ” .
ويقترح الدريجلأجرأة هذه التوجهات العناية بكل ما يرتبط بأشكال تنظيم التعلم داخل الأقسام الدراسية (الطرائق البيداغوجية- الأساليب – الوسائل- المصادر والكتب المدرسية- أنظمة التقويم والاختبارات) ، وتنويعالأساليب وطرائق تناول المعارف في إطار المقاربة بالملكات؛ مع العمل على ترشيد استعمال البنيات التحتية والتجهيزات والأدوات التعليمية، و الإلحاح على تكييف بعض الطرائق والممارسات التقليدية الأصيلة، والأخذ عموما بالطرائق النشطة،وطرائق وضع المشاريع ومواجهة المواقف وحل المشكلاتوعلى سبيل المثال : نجد ابن خلدون يبيح استخدام الطرائق التربوية التي تناسب المعلم ، إلا أنه يشجع استخدام طريقة المناقشة والحوار .فالتعليم ، عنده ، يهدف إلى حصول المتعلم على ملكة العلم، لكي يصبح على درجة عالية من الفهم، وليس فقط حفظه دون فهم وتعمق. لذا، انتقد ابن خلدون الطريقة القيروانية التي كانت في زمانه تركز على الحفظ بشكل كبير، ووصف الطلاب بأنهم يلتزمون الصمت والسكون التام دون مشاركة ” . كما يقدم ابن خلدون منهجا متكاملا ومتماسكا في اكتساب الملكاتيتميز بالأساليب التالية :
1-
الاكتساب من خلال النشأة والممارسة في بيئة معينة .
2-
الاكتساب من خلال الحفظ والتكرار والتمرن .
3-
التدرج والانتقال من حالة وقوع الفعل إلى الفعل، ثم الصفة، ثم الحال، فالملكة.
-
من حيث تنظيم الدراسة في مختلف المراحل التعليمية، للارتقاء بجودة الفعل البيداغوجي من خلال الرفع من فعالية التدريس ومن جدوى التعلم ومواءمة الفضاءات التربوية لهما ، اعتماد مبدإ التدرج.
-
تنظيم الدراسة وفق معايير موضوعية تلائم المستجدات المراد إدخالها على مختلف المراحل التعليمية ما يلي:
-
تنظيم كل سنة دراسية من حيث نظام الدورات والفصول
-
النظر في إمكانية اعتماد حلول تربوية تسمح بالعمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلمين ووتيرة التعلم لديهم؛ بما يفيد في الرفع من المردود الداخلي للمؤسسة، وفي ترشيد استعمال البنيات التحتية والتجهيزات التعليمية . وقد ذكر أبو حامد الغزالي في كتابهإحياء علوم الدين، أن من وظائف المعلم : “أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه مالا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله، ولا يبث إليه الحقيقة إلا إذا علم أنه يستقل بفهمها.”
-
إدراج الغلاف الزمني الخاص بالتقويم بجميع أنماطه :التشخيصي(في بداية التعلم) والتكويني (الملازم للتعلم) والإجمالي (بعد الانتهاء من التعلم)،في إطار بيداغوجيا الملكات حسب مراحل اكتسابها، وبمراعاة الغلاف المخصص لكل مادة دراسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ولكل وحدة في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي. و العمل بالدعم التربوي المنتظم الكفيل بترسيخ المكتسبات، والضامن للرفع من نسبة النجاح والتفوق وتكافؤ الفرص.
-
المرونة في تنظيم الحصص الدراسية واستعمالات الزمن والعطل؛
-
تخصيص مجالات زمنية للأنشطة الثقافية والفنية و الجمعوية ضمن الحصة الأسبوعية.
-
النظر في سبل ملاءمة المدرسة وبعض مقرراتها مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (المنهاج المندمج).”
وهكذا، نستنتج بأن نظرية الملكات تستفيد بشكل من الأشكال من الطرائق البيداغوجية الفعالة، ومن نظرية الذكاءات المتعددة، وتستند إلى فلسفة التنشيط، ونتائج السيكولوجيا المعرفية، والانفتاح على فلسفة الكفايات والتعليم المندمج، وتربية ذوي الحاجيات الخاصة، بله عن الدراسات المستقبلية وتقنيات علم التدبيراضف إلى ذلك، أن التدريسبالملكات نظرية تراثية وأصيلة، تعتمد على فلسفة القيم الإسلامية، وتنطلق من الرؤية الدينية الواعية القائمة على التوازن، والوسطية، والاعتدال، والانفتاح، والتعايش،والتفاهم
D التدبيــــر الديداكتيكي لنظرية الملكات:
تنبني نظرية الملكات ديداكتيكيا على مجموعة من الخطوات التدبيرية والتخطيطة التي يمكن حصرها في المبادىء التالية:
u
تحديد الملكات الأساسية والنوعية:
ينطلق المدرس من فلسفة الملكات كما يحددها أستاذنا الدكتور محمد الدريج، فيبين في جذاذاته طبيعة الملكات المستهدفة في الدرس، ويصنفها إلى ملكات أساسية وملكات نوعية، قد ترتبط بالدرس فقط أو تكون ملكة مستعرضة أو مندمجة مع باقي المواد والوحدات والمجزوءات الأخرى. كأن يحدد المدرس طبيعة الملكة التي يريد اختبارها وصقلها وشحذها، فيختار الملكة اللغوية – مثلا- في حصة اللغة أو النحو والإنشاء والتعبير، فيحضر المدرس مجموعة من الأنشطة التي تعزز هذه الملكة وتقويها وتنميها. اضف إلى ذلك أن الملكات الكبرى ثلاث: ملكة عقلية مرتبطة بأهداف معرفية، وملكة وجدانية وذوقية مرتبطة بالقلب والوجدان، وملكة حسية حركية مرتبطة بالبدن. ويمكن أن يتحقق المدرس من نجاح درسه إذا تحققت الملكة عبر مجموعة من الأنشطة والتمارين التي تنصب على استكشاف تلك الملكة ، ورصد سماتها ومواصفاتها، ولاسيما صفة الجودة والنضج والمهارة والحذق والكياسة. ويعني هذا أن الملكة معيار لتحقيق الجودة الكمية والكيفية. ويمكن الاستفادة من نظرية الأهداف والكفايات في تسطير الملكات التي قد تعني من جهة أخرى مجموعة من القدرات الكفائية. وينبغي على الوزارة الوصية على القطاع التربوي أن تسطر مجموعة أو لائحة مفصلة من الملكات المهارية والصناعية التي ترغب فيها على المستوى المعرفي والوجداني والحركي. وفي هذا الصدد، يقدم محمد الدريج تصوره حول مدخل الملكات والأهداف والقدرات:” حتى يتمكن نظامنا التربوي من القيام بوظائفه على أكمل وجه ، لابد من اعتماد مقاصد وأهداف وفق اختيارات وأولويات محددة في المنهاج التربوي ككل، تستجيب لطموحات المجتمع. ثم ترتيبها وتنظيمها في لوائحخاصةبكل مرحلة تعليمية و كل شعبة ومقرر دراسي. بما يخدم الملكات الأساسية (المواصفات أو الأهداف العامة ) المرسومة للمتعلم في نهاية كل مراحل من مراحل التحصيل الأولي والابتدائي؛ والملكات النوعية والصناعية ، المرتبطة بمختلف العلوم والصناعات في المراحل المتقدمة.
كما ينبغي أن تستجيب المقاصد و الأهداف لحاجيات الفرد، والعناية بمختلف جوانب شخصيته: الجسمية والعقليةوالروحية. لأجل تكوين شخصية متوازنة ، بحيث لا نكتفي باستهداف الجوانب العقلية -المعرفية على حساب الجوانب الأخرى من الشخصية .
وللتذكير ينصح أبو حامد الغزالي في تنشئة الصبيان، وعموما في آرائه التربوية ، باستهداف المكونات الرئيسة للنفس البشرية، وهي: العقل والروح والجسم. وينظر إليها باعتبارها كيانا واحدا متكاملا. ومن ثم، جاء تأكيده على بعض الأساليب والطرائق التربوية التي تتناول تلك المكونات بشكل متكامل ومتوازن، كالمجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح، والتفكر لتربية العقل، وترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك، واللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل والحواس.
كما أننا نلح بخصوص اختيار الغايات ورسم الأهداف و المواصفات والملكات ، على تبني الرؤية الإستراتيجية والاهتمام بالمستقبل. وقد عنيت بالفعل الكثير من الأنظمة التعليمية المعاصرة بعملية التخطيط واستشراف المستقبل، وكان هذا أحد أسباب نجاحها في الريادة والتقدم.
على أن الرؤية الجيدة للمستقبل ، يجب أن يتوفر فيها بعض الصفات ، لعل أهمها مايمكن أن يقوم به أصحاب القرار والمخططون ، مركزيا وجهويا، وكذا الممارسون … من وضع الأهدافوالملكات التي تسعى المنظومة لتحقيقها، ورسم للمتعلمين صورة المستقبل الذي نريد الوصول بهم إليه. فهم يبلورون ، بذلك، الرؤية والأهداف السامية، ويشحنون كلا من المدرسين والتلاميذ بالرغبة في تحقيق تلك الأهداف، والوصول إلى الغايات المرجوة. ولا فرق هنا بين أن تكون هذه الرؤية لاختيار شعب وتخصصات أو مسارات مهنية أو لوضع مشاريع شخصية …أو على المستوى العام ، عبر بناء مجتمع جديد تسود فيه العدالة والمساواة والحرية.
الرؤية المستقبلية الواضحة، إذاً ، هي التي تحفز التلاميذ على الاستمرار في السير نحو الهدف على الرغم من الصعوبات. إن استشراف المستقبل يحتاج لنفاذ بصيرة وبعد نظر وتقدير كل الاحتمالات والاستعداد لأسوئها. ”
وبناء على ماسبق، لابد من وضع صنافة للملكات العقلية والوجدانية والحركية ليستفيد منها المدرسون في وضع جذاذاتهم تخطيطا وتدبيرا وتقويما.
v
تجديد المحتويات والمضامين في ضوء الملكات:
تستوجب نظرية محمد الدريج تجديد المقررات والمضامين الدراسية لتنسجم مع فلسفة الملكات.بمعنى أن تستهدف هذه المحتويات استكشاف الملكات لدى المتعلم، سواء أكانت أساسية أم نوعية، مع تصنيف المضامين حسب الملكات المستهدفة. ولابد من التدرج في بناء هذه المضامين من السهولة والبساطة إلى المعقد والمركب. ولابد من مسايرة ما استجد من المناهج والتصورات والنظريات ، والتكيف السريع مع ما استحدث من معلومات وأفكار، كالانفتاح على العوالم الرقمية ، والاستفادة من القراءة الممسرحة، وفلسفة التنشيط، وتنمية الذكاءات المتعددة، وتطوير الملكات المختلفة والمتنوعة. وينضاف إلى ذلك، أنه لابد من ترقية ملكات المتعلم المختلفة، كملكة الكتابة، وملكة القراءة، وملكة الحساب، وملكة النقد، وملكة التعلم الذاتي، ومكلة البحث والاستكشاف، وملكة المطالعة، وملكة التنقيب في الشبكات العنكبوتيةومن جهة أخرى، لابد من الانطلاق من الهوية العربية الإسلامية، والحفاظ على القيم الدينية، وغرس قيم المواطنة، وتنشئة المتعلم على معرفة حقوقه وواجباته. ومن ثم، تكون المضامين هادفة وممتعة ومفيدة، تنبني على التشويق والإقناع وحب البحث والاطلاع. ولا ننسى أيضا بأن ملكة الحفظ ضرورية لبناء معارفنا، وقد ركزت ثقافتنا القديمة على هذه الملكة الأولية والأساسية ، حتى أصبحنا أمام علماء موسوعيين جهابذة وفطاحلة في ميادين شتى، كالغزالي، وابن سينا، وابن رشد، وابن خلدون، وابن رشيق القيرواني، والقاضي عياضوملكة الحفظ مرحلة ضرورية لاستكشاف الملكات الأخرى لدى المتعلم.
ولكن أهم ما يميز نظرية الملكات ارتباطها بالقيم الأخلاقية من خلال الدعوة إلى التفاهم والتسامح والتعايش مع الآخر، والتشبث بالأخلاق الإسلامية الأصيلة،والدفاع عن الحق والمساواة والحرية والعدالة والديمقراطية والشورى. وفي هذا الإطار، يقول الدريج:” يروم هذا المكون الأساسي في نموذجالتدريس بالملكاتتعزيز دور المدرس والمدرسة في نشر قيم المواطنة والأخلاق والآداب الحميدة، وتقوية مكانة التربية الإسلامية والتربية على المساواة وحقوق الإنسان، وثقافة الإنصاف والتسامح، ونبذ الكراهية والتطرف.
كما يروم الانطلاق من القيم التي يتم إعلانهـا كمرتكزات ثابتة في النظام التربوي، والمستندة أساسا إلى موروثنا الثقافي (ننظر على سبيل المثال ما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين حول منظومة القيم، وكذا فيالكتاب الأبيض، خاصة في جزئه الأول المتعلق بالاختيارات والتوجهات على مستوى القيم …)، والتي ينبغي العمل على توظيفها فيما يعرفبالتربية على القيم،وعلى أجرأتها في المقررات والكتب المدرسية وأنظمة التقويم… والتي تستلهم بالأساس من:
قيـم العقيدة الإسلامية؛
قيـم الهوية الحضارية لأمتنا ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛
قيـم المواطنـة وحقوق المواطن وواجباته؛
القيم الكونية لحقوق الإنسان… ”
ويعني هذا أنه لابد من اختيارالمضامين والمحتويات في ضوء الرؤية الدينية الإسلامية المعتدلة، مع الانفتاح على المستجدات الغربية المعاصرة.
w
اختيار الوسائل الديداكتيكية التي تنمي الملكات وتطورها:
تتطلب نظرية الملكات اختيار مجموعة من الوسائل الديداكتيكية سواء أكانت شفوية أم بصرية من أجل ترسيخ القدرات في نفس المتعلم، وصقلها بالمران والدربة والتكرار. وتقوم الخطاطات التربوية بدور كبير في تسهيل العملية التعليمية- التعلمية. ويعني هذا أن الوسائل الديداكتيكية في خدمة الملكات والقدرات الكفائية تبسيطا وتسهيلا وتيسيرا وتوضيحا وتفسيرا واستكشافا. ولايمكن الاكتفاء بالارتجال الشفوي، بل لابد من الاستعانة بالتكنولوجيا الإعلامية وحوسبة المعرفة، وتملك الملكات الإعلامية أو ما يسمى بالذكاء الإعلامي.
x
الطرائق البيداغوجية في خدمة الملكات:
من المعروف أن النظام التربوي الإسلامي القديم كان يعتمد على العقل والنقل من جهة، ويستعين بالحفظ والحوار من جهة أخرى. وما أحوجنا اليوم إلى طريقة الحفظ! لأنها ملكة أساسية لتقوية الذاكرة والإدراك، قبل الانتقال إلى الحوار والمشافهة والنقد. ويمكن الاستفادة من مجموعة من آليات التراث في مجال التربية والتعليم، كالشرح، والتقييد، ودراسة المتون وحفظها، والاستعانة بالتقييدات والحواشي لترسيخ ملكة الحفظ والاستيعاب. علاوة على ذلك، يمكن الاستفادة من الطرائق البيداغوجية الفعالة، ولاسيما الطريقة المسرحية، وتمثل فلسفة التنشيط التربوي.
y
التقويم استكشاف للملكات:
يستهدف التقويم استكشاف الملكات ومعرفة مدى ترسخها في نفس المتعلم، واختبار الملكات في ضوء أنشطة خاصة بنوعية الملكة المستهدفة. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث عن ملكات تقويمية قبلية، وملكات تقويمية تكوينية، وملكات تقومية نهائية وإجمالية، وملكات إشهادية ، وملكات إدماجية، وملكات الدعم والتقوية وترسيخ ملكة الحفظ والاستقراء والاستنباط والاستنتاج والتعميم ، وحل المشكلات العويصة، وإبداع أفكار وقيم جديدة. وفي هذا الصدد، يلح محمد الدريج على :” إدراج الغلاف الزمني الخاص بالتقويم بجميع أنماطه :التشخيصي(في بداية التعلم)، والتكويني (الملازم للتعلم)، والإجمالي (بعد الانتهاء من التعلم)،إطار بيداغوجيا الملكات حسب مراحل اكتسابها، وبمراعاة الغلاف المخصص لكل مادة دراسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ولكل وحدة في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي. و العمل بالدعم التربوي المنتظم الكفيل بترسيخ المكتسبات، والضامن للرفع من نسبة النجاح والتفوق وتكافؤ الفرص. ”
هذه هي أهم المراحل التي تنبني عليها العملية الديداكتيكية في ضوء بيداغوجية الملكات، وقد تبين لنا من كل هذا أن هذه البيداغوجيا لابد أن ترسخ مجموعة من الملكات لدى المتعلم المتدرج في مستويات الدراسة والتعلم.
تركيب واستنتاج:
وخلاصة القول: إن نظرية الملكات لدى الدكتور محمد الدريج هي فعلا نظرية تربوية جديدة وأصيلة تمتح من التراث العربي الإسلامي، وتنفتح على الحداثة الغربية والمستجدات المعاصرة، وترتكن إلى الدين والقيم والأصالة والمعاصرة، وتعتمد على التخطيط المستقبلي، والاندماج المتكامل، والتدبير المعقلن، واستشكشاف الملكات الأساسية والنوعية لدى المتعلم وفق القيم الإسلامية، والاسترشاد بمبادىء العدالة الربانية الحقيقية. ويعني كل هذا أن نظرية الملكات آلية بيداغوجية وديداكتيكية إجرائية وواقعية لتحقيق الجودة والإبداع والابتكار والإتقان. ومن ثم، تتميز نظرية أستاذنا الدكتور محمد الدريج بتوظيف الملكات، وتأصيل الموروث التربوي ، وقراءته في ضوء الحداثة والراهنية، ومستجدات الفكر والسيكولوجيا المعرفية، والاستجابة الحقيقية للمتعلمين ، مادامت تقوم هذه النظرية على فلسفة التنشيط، وترسيخ الملكات المضمرة والظاهرة،وتجاوز نظرية الأهداف السلوكية، وتبني المنهاج المندمج، وتمثل سياسة التخطيط المستقبلي لتحقيق الحداثة والتقدم والازدهار. كما أن نظرية الملكات نظرية واقعية ومرنة وهادفة ، قابلة للتطبيق في الميدان التربوي، وصالحة لتنزيلها في أرض الواقع، ويمكن تعميقها والتفصيل فيها أكثر في المستقبل القريب.
الهوامش:
ابن منظور: لسان العرب، الجزء الثالث عشر، دار صبح بيروت، لبنان،وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:177.
انظر: إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد النجار: المعجم الوسيط، دار النشر: دار الدعوة ، تحقيق: مجمع اللغة العربية .
جبور عبد النوروسهيل إدريس: المنهل فرنسي-عربي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة 1986م، ص:652.
الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس،1971م.
إخوان الصفا : رسائل إخوان الصفا، دار بيروت،لبنان، 1983م.
ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الرشاد الحديثة، دار الفكر، د.ت، ص:554-555.
ابن خلدون: نفسه، ص:562.
محمد الدريج: (التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم)، موقع الجامعة الحرة للتعليم،المغرب، http://www.fae.ma/2012-01-27-14-57-43/595-2013-02-04-15-03-08.html
د.محمد عابد الجابري: نفسه، ص:83-84.
د.محمد عابد الجابري: نفسه، ص:87.
د.محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86-87.
د.محمد عابد الجابري:نفسه، ص:85.
د.محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.
د.محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.
– Lucien Goldmann : Sciences humaines et philosophie. Suivi de structuralisme génétique et création littéraire. Paris: Gonthier, 1966.
د.محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.
د. عبد الله العروي: أزمة المثقفين العرب، تقليديةأم تاريخية، ترجمة د.دوقان قرطوط، ص:1581.
د. حسن حنفي: التراث والتجديد، موقف من التراث القديم، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ص:17.
انظر تصور الباحث في مجلة: المستقبل العربي، لبنان، العدد:29يوليو 1981، السنة الرابعة، ص:133.
عباس الجراري: الثقافة في معترك التغيير، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص:56-57.
د. علي زيعور: التحليل النفسي للذات العربية وأنماطها السلوكية والأسطورية، دار الطليعة/ بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ، ص:115.
انظر: أدونيس: الثابت والمتحول، دار الساقي، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة 2006م.
البراديغمات بمعنى النماذج العلمية .
محمد الدريج: (ماذا بعد بيداغوجيا الإدماج؟ نموذج التدريس بالملكات)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، الثلاثاء 29 يناير 2013م، ص:8.
محمد الدريج: (التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم)، نفس الموقع والرابط الرقمي.
عبد الكريم غريب: المنهل التربوي، الجزء الأول، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار المغربية، المغرب، الطبعة الأولى 2006م، ص:428-429.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: (ماذا بعد بيداغوجيا الإدماج؟ نموذج التدريس بالملكات)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، الثلاثاء29يناير2013م، ص:8.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التعليم العمومي بالمغرب : إلى أين ؟ محمد الزناني جديد مقالات الصحف والجرائد التربوية 0 15-02-2013 02:18 PM
مشروع دعم تدبيرالمؤسسات التعليمية بالمغرب amina مشاريع المؤسسات التعليمية 0 12-01-2013 11:30 PM
النظريات الحديثة في الإدارة المدرسية amina أنشطة وبلاغات جمعية المديرين 0 07-01-2013 09:28 PM
النظريات الحديثة في الإدارة المدرسية محمد الزناني أنشطة وبلاغات جمعية المديرين 0 02-01-2013 05:56 PM
الاقتطاع من أجور المضربين عن العمل بين نظرية مول الحانوت و غياب السند الدستوري و القا محمد الزناني المنتدى العام 0 19-12-2012 12:04 AM


Loading...


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. wsport